هل تكذب جوجل في وثائقها؟ أم أننا لا نقرأها كما يجب؟

قراءة وثائق جوجل لتحسين محرِّكات البحث بين السطور


 عندما تتحدث جوجل في وثائق تحسين محركات البحث بلغة "موجّهة للمستخدم" الذي هو مشرف المواقع الإلكترونية ومنشئ المحتوى، فهي في كثير من الأحيان لا تتحدث عن المستخدم فقط، بل تتحدث أيضا -وبشكل غير مباشر- عن كيف تفهم أنظمة جوجل الصفحات والمواقع.

بكلمات أخرى، عندما نقرأ وثائق تحسين محرّكات البحث التي تنشرها جوجل، قد نعتقد للوهلة الأولى أن الأمور واضحة وبسيطة: افعل كذا من أجل المستخدِم أو القارئ، وتجنّب كذا حتى لا تضرّ بتجربة المستخدم.

لكن مع مرور الوقت، ومع تتبّع التحديثات والتغييرات في نتائج البحث، نكتشف أن لغة جوجل ليست دائما مباشِرة، وأن الجملة الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، وأكثر من هدف. وهذا شيء صرت أراه بوضوح على مدى السنين التي قضيتها في قراءة وتحليل وثائق السيو.

لا تكتب جوجل وثائقها لمشرفي المواقع فقط، بل تكتبها أيضا بما يتناسب مع ما تستطيع أنظمتها فهمه وقياسه؛ لذلك، عندما تتحدث بلغة "مصلحة المستخدم"، فهي في كثير من الأحيان تتحدث في العمق عن "قابلية الفهم الخوارزمي".

بمعنى أبسط: ليس المهم فقط أن تقوم بالشيء الصَّحيح، بل أن يكون هذا الشَّيء ظاهرا وقابلا للاكتشاف.

لنأخذ مثالا بسيطا مما تقوله جوجل في وثائقها، وتحديدا في الصفحة التي تتناول منع المحتوى غير المرغوب فيه الذي ينشئه المستخدمون. في هذه الصفحة، تشير جوجل بشكل واضح إلى أهمية إبلاغ المستخدمين بأن المنصة لا تسمح بنشر هذا النوع من المحتوى، وتدعو مشرفي المواقع إلى نشر سياسات واضحة بخصوص إساءة الاستخدام، وإطلاع المستخدمين عليها، أثناء عملية الاشتراك مثلا.

إبلاغ المستخدمين بأنك لا تسمح بنشر المحتوى غير المرغوب فيه على خدمتك


للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التوجيه موجَّها للمستخدم فقط الذي هو مشرف الموقع الإلكتروني، وكأن الغاية منه هي توعية الزائر بالقواعد التي تحكم النَّشر والتَّفاعل داخل الموقع؛ لكن عند التوقف قليلا عند السِّياق العام للصفحة، وبقية التَّوصيات التي تلي هذا المقطع، يصبح من الواضح أن جوجل لا تتحدث عن السياسات بوصفها نصوصا تنظيمية فحسب، بل بوصفها إشارات تساعد على فهم طبيعة المنصة وطريقة إدارتها.

في الحقيقة نادرا ما يقرأ مستخدم هذا النوع من النصوص في موقع إلكتروني أصلا، لكن جوجل تحتاج إلى هذه الصفحات والإشارات حتى تفهم أن الموقع مُدار، وأن هناك قواعد، وأن المحتوى لا يُترك للفوضى.

قد يقول مشرف موقع: "أنا أراقب المحتوى يدويّا، وأحذف أيّ شيء سيّئ، حتّى دون صفحة سياسات"، هذا قد يكون صحيحا، لكنه غير مرئي، جوجل لا ترى ما يحدث في لوحة التَّحكُّم، ولا ترى قراراتك الدَّاخليَّة. ما تراه هو الصَّفحة، والنّصّ، والبنية، والرّوابط، والسّياق. لذلك، من منظور أنظمتها، الموقع الذي يطبّق سياسة دون أن يعلن عنها يشبه الموقع الذي لا يملك سياسة أصلا.

من هنا نفهم أن نصائح جوجل ليست دائما أخلاقية أو توعوية فقط، بل هي تعليمات غير مباشرة لبناء إشارات يمكن لأنظمتها الاعتماد عليها.

عندما تطلب منك جوجل توضيح من يقف خلف الموقع، أو إظهار معلومات الاتصال، أو كتابة صفحة "من نحن"، فهي لا تسأل عن حسن النّيّة، بل عن أدلّة يمكن تحليلها وربطها ببقيَّة الموقع.

هذا الأسلوب يتكرَّر في مواضع كثيرة من الوثائق، نادرا ما تقول جوجل: "افعل هذا حتى نفهم موقعك". بدلا من ذلك، تقول: "افعل هذا من أجل المستخدم". والنتيجة واحدة، لكن القراءة السطحية تجعل البعض يظن أن الأمر اختياري أو تجميلي، بينما هو في الواقع جزء من طريقة تقييم الموقع ككل. {alertInfo}

قراءة وثائق جوجل حرفيّا قد تقود إلى تطبيق ناقص. أما قراءتها بتحليل هادئ، فتجعلنا نطرح سؤالا مختلفا: لماذا تريد جوجل هذا؟ ما الذي تحاول أن تميّزه؟ ما نوع المواقع التي تحاول تقليل ظهورها؟ وما نوع المواقع التي تسهّل على أنظمتها فهمها؟

عندما نقرأ ما بين السطور، ندرك أن جوجل لا تطلب منك أن تكون مثاليّا، بل أن تكون مفهوما. لا تطلب منك أن تقول الحقيقة فقط، بل أن تُظهرها بشكل يمكن التحقق منه. الفرق بين الأمرين هو الفرق بين موقع "جيّد في الواقع" وموقع "جيّد في نظر محرك البحث".

في النهاية، وثائق جوجل ليست قانونا جامدا، ولا وصفة واحدة تناسب الجميع. هي خريطة ذهنية لطريقة تفكير أنظمتها. وكلما تعلّم مشرف الموقع كيف يفسِّر اللُّغة، لا الكلمات فقط، أصبح أقدر على اتخاذ قرارات ذكية تخدم المستخدم… وتخدم الظهور في البحث في الوقت نفسه.

هذا المقال لا يهدف إلى إعطاء إجابات نهائية، بل إلى فتح زاوية قراءة مختلفة. إن كانت لديك تجربة عملية تؤكّد أو تناقض ما ورد هنا، فمشاركتها في التعليقات ستجعل هذا النقاش أكثر نضجا وفائدة لمشرفي المواقع ومنشئي المحتوى. {alertSuccess}

شارك رأيك مع مدوّنة الدّعم العَربي! يرجى الالتزام بقواعد التعليقات. التعليقات التي تحتوي على إساءة أو تشهير أو دعاية أو محتوى مسيء لن يتم نشرها بعد المراجعة اليدويّة.

أحدث أقدم