
من الأشياء التي بدأت ألاحظها أكثر في السنوات الأخيرة، خصوصا مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي ومحرِّكات البحث، أنّ كثيرا من أصحاب المواقع الإلكترونية ما زالوا يعتقدون أنّ الموقع الإلكتروني يُفهم فقط من خلال ما يظهر على الشاشة أمام الزَّائر، لكن الواقع مختلف قليلا، لأنّ الأنظمة الآلية لا ترى الموقع الإلكتروني بالطريقة نفسها التي نراها نحن البشر، وفهم هذه النقطة يساعد أي مطوّر أو منشئ محتوى على إنشاء صفحات أوضح وأسهل للفهم بالنِّسبة للزَّواحف ومحرِّكات البحث وحتى تحسين المحتوى لأدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
عندما أتحدث عن "فهم الموقع الإلكتروني"، فأنا لا أقصد فقط قراءة النصوص الموجودة داخله أو التّمييز بين أنواع المحتوى في الصّفحة، بل الطريقة التي يتم بها تنظيم الصفحة بالكامل:
- العناوين؛
- الأزرار؛
- ترتيب العناصر؛
- طريقة كتابة المحتوى.
ما يجب أن ننتبه إليه هو أنّ الوكلاء أو البرامج الآلية أو الرّوبوتات لا يجلسون أمام الشاشة كما نفعل نحن، أقصد، هي لا "تشاهد" الموقع الإلكتروني بالشكل التقليدي مثلما نفعل نحن البشر، بل تعتمد على تمثيل رقمي يساعدها على تحليل الصفحة وفهمها، وهذا يعني أنّه كلما كان التّمثيل واضحا ومنظَّما، أصبح من الأسهل على هذه الأنظمة فهم المحتوى والتفاعل معه بشكل صحيح.
الطرق التي تستخدمها الأنظمة لفهم المواقع الإلكترونية
إحدى الطرق التي تستخدمها الأنظمة لفهم المواقع تعتمد على لقطات الشاشة:
نعم، بعض أدوات الذكاء الاصطناعي قد تنظر إلى الصَّفحة وكأنَّها صورة وتحاول تحليل ما يظهر فيها بصريّا، يمكنها التعرّف على مكان شريط البحث أو الأزرار أو الحقول الموجودة داخل الصفحة.
كما تستطيع أحيانا فهم أهمّيّة عنصر معيّن من خلال حجمه أو لونه أو مكانه داخل التصميم، لهذا السبب أرى أنّ التصميم الواضح والمنظم لا يساعد الزَّائر فقط، بل يساعد الأنظمة أيضا على فهم الصَّفحة بشكل أفضل.
طريقة أخرى تستخدمها الأنظمة لفهم الموقع الإلكتروني تعتمد على رمز الصّفحة:
الاعتماد على الصور وتحليل الشكل البصري ليس دائما الحل المثالي، لأنّ هذه العملية قد تكون بطيئة ومكلفة تقنيّا، لهذا السبب تعتمد الأنظمة غالبا على شيء أهم بكثير، وهو رمز الصّفحة أو HTML الخاص بالموقع.
عندما أقول HTML فأنا أقصد البنية الحقيقية للصفحة من الداخل، هنا تبدأ الأنظمة بقراءة نموذج المستند أو DOM من أجل فهم العلاقة بين العناصر المختلفة.
إذا كان هناك زر "شراء" داخل بطاقة منتج معيّنة، فإنّ النظام يفهم أنّ هذا الزِّرّ مرتبط بذلك المنتج، وإذا كانت العناوين مرتبة بشكل منطقي، تصبح قراءة الصفحة أسهل بكثير بالنسبة للزَّواحف ومحرِّكات البحث.
لهذا السبب أقول دائما إنّ التنظيم الدَّاخلي للصفحة لا يقلّ أهمّيّة عن شكلها الخارجي، أحيانا أزور مواقع تبدو احترافية جدّا بصريّا، لكن عند النظر إلى بنيتها أجد أنّ العناوين غير مستخدمة بشكل صحيح أو أنّ بعض الأزرار لا تحتوي على وصف واضح، أو أنّ هناك حاويات شفّافة تمّ إنشاؤها عن طريق الخطإ تحجب المحتوى، وهنا تبدأ المشكلة، لأنّ الأنظمة قد تفشل في فهم وظيفة هذه العناصر رغم أنّ المستخدم العادي لا يلاحظ أي خلل.
طريقة أخرى تستخدمها الأنظمة لفهم محتوى المواقع الإلكترونية وتعتمد هذه المرّة على شجرة تسهيل الاستخدام:
هناك أيضا طريقة أخرى أعتبرها مهمّة جدا اليوم، وهي ما يعرف بشجرة تسهيل الاستخدام أو Accessibility Tree، هذه الطّريقة عبارة عن نسخة مبسطة وذكية من الصفحة يوفّرها المتصفح للتقنيات المساعدة.
بدل التركيز على التصميم والألوان، يتم التركيز على وظيفة العناصر نفسها، بمعنى أنّ النظام يحاول معرفة ما إذا كان العنصر زرّا أو قائمة أو حقل إدخال أو أداة تفاعلية.
ما يعجبني في هذه الفكرة هو أنّها تجعل الصفحة أوضح بالنسبة للآلة.
فبدل أن تضيع الأنظمة وسط تأثيرات CSS أو تفاصيل التَّصميم، تحصل على خريطة واضحة توضّح وظيفة كل عنصر داخل الصفحة. ولهذا أرى أنّ الاهتمام بإمكانية الوصول لم يعد مجرد خطوة إضافية لتحسين تجربة المستخدم، بل أصبح جزءا مهمّا من تحسين فهم الموقع بالنسبة لمحركات البحث والذكاء الاصطناعي أيضا.
هذا الذي يتعلّق بالنّاحية البرمجية والتّقنية، ولا يقلّ تنظيم المحتوى أهمّيّة.
كما ذكرتُ، الأمر لا يتوقف عند الجانب البرمجي فقط، بل يشمل المحتوى المكتوب كذلك، عندما أكتب مقالا بعناوين واضحة إن كانت العناوين مطلوبة لتوضيح المقال وفقرات مرتبة بحسب الضّرورة وتسلسل منطقي للأفكار لمساعدة الصّفحة على تحقيق غرضها والغاية منها بشكل جيّد، فإنني لا أساعد القارئ فقط، بل أساعد الأنظمة الآلية أيضا على فهم المحتوى بشكل أفضل.
أما عندما يكون النص عشوائيّا أو مليئا بالعناوين الغامضة والجمل غير الواضحة، فإنّ فهم الصفحة يصبح أصعب حتى لو كانت المعلومات نفسها مفيدة.
لهذا بدأت أقتنع أكثر بأنّ مستقبل الويب لن يعتمد فقط على "ما يراه الإنسان"، بل أيضا على "ما تفهمه الآلة"، وكلما كان الموقع الإلكتروني واضحا ومنظَّما من الدَّاخل، زادت فرص فهمه بشكل صحيح من طرف محركات البحث ووكلاء الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة التي أصبحت جزءا أساسيّا من الإنترنت اليوم.