
بعد نشري لمقال أشرتُ فيه إلى تحديث على مستوى التعليقات والردود في المدوَّنة، فُوجِئتُ بحجم التَّفاعل الذي رافق المحتوى. التَّعليقات التي وصلتني لم تكن عَابِرة، بل كانت آراء وتجاربَ حقيقيَّة وأسئلة من زملاء وخبراء، وكأنَّ الموضوع لَمَسَ حاجة مُلحّة لدى الكثيرين لإعادة تعريف دور التعليقات بعيدا عن المفاهيم التَّقليديَّة الجاهزة.
هذا التفاعل كشف لي أن موضوع التعليقات أعمق بكثير من كونه خيارا تقنيّا؛ بل هو مسألة مرتبطة بـ "الهوية الرقمية".
ومن المهمّ هنا التفريق بين موقع يستقبل التعليقات، وموقع يقرِّر أن يكون له حضور "خارج حدوده" بالتعليق في المواقع الأخرى.
في الحالة الثانية، التَّعليق ليس مجرد رد، بل هو وسيلة لإثبات الحضور المهني؛ فالموقع الذي يشارك في النِّقاشات القائمة يثبت أنَّه كيان حيّ يتابع مجاله عن كثب، ويترك أثرا رقميّا يربط اسمه بالخبرة والرَّأي السَّديد.
عقلية "الانغلاق" مقابل "الحضور الرقمي"
عند قراءة انطباعات الزملاء حول هذا الموضوع، يظهر تباين واضح في كيفية إدراك قيمة التَّفاعل. البعض يرى في التَّعليق جهدا إضافيّا، لكن هذه النظرة تغفل عن حقيقة تسويقية كبرى: الموقع الذي يكتفي بالنشر داخل جدرانه فقط، يبقى معزولا مهما بلغت جودة محتواه.
إن الخروج للتَّعليق في منصات أخرى بالاسم الصريح للموقع هو بمثابة "انتقال من المقعد الخلفي إلى واجهة الحدث"، وهو ما يكسر حاجز الثِّقة بين مشرف الموقع وجمهوره المحتمل في كل مكان.
كما برزت قضية "غياب ثقافة التّعليقات"؛ فكثير من أصحاب المواقع يكتفون بالاستهلاك الصامت، وهو سلوك يحرم مواقعهم من فرص بناء سلطة مهمّة للموضوع.
وهذا ما قاله أشرف لمين مسؤول (مدوّنة القانون العربي) حيث قال بأنه لاحظ أنّ ثقافة التّعليق في المواقع الإلكترونية والمدوّنات محدودة جدا، خاصّة وأنّ معظم القرّاء قد لا يثق عندما يجد أنّه عليه تسجيل الدّخول للتّعليق، كما نوّه إلى أن ثقافة الشكر على المحتوى وإبداء الرأي حوله لتشجيع المؤلِّف قليلة، ومن النادر أن تجد من يعلق لخلق نقاش مرتبط بالموضوع.
ترك بصمة باسم الموقع في نقاش متخصص هو بمثابة "بطاقة تعريف" دائمة، تخبر القراء والمنافسين أن هذا الموقع يدار من قِبَل خبير حقيقي يملك شجاعة الطرح والمشاركة. {alertSuccess}
التَّعليقات كاستثمار في جودة الصفحة وسمعة النطاق
طُرِح سؤال جوهري حول علاقة التَّعليقات بفُرَص الظُّهور على نتائج البحث، والحقيقة أن الفائدة تتجاوز خوارزميات "السيو" الجامِدة؛ فالتعليقات عالية الجودة التي يتركها الخبراء تُثري محتوى الصفحة وتجعلها مرجعا شاملا أمام القراء.
وهذا الموضوع تمّت إثارته بواسطة (الجليس للمواقع)، حيث طرح سؤالا حول ما إذا كانت التّعليقات تؤثّر في ترتيب الصّفحة على نتائج البحث؛ في نفس السّياق، طرح (محامي جدة) نفس السؤال، لكن بطريقة مختلفة، والذي سأل في ردّه حول ما إذا كانت التّعليقات باسم الموقع الإلكتروني لا تزال مفيدة لتحسين ترتيب الصّفحة على نتائج البحث.
عندما يساهم مشرفو المواقع في إغناء نقاش ما، فإنهم يصنعون لأنفسهم "سمعة عابرة للمواقع"؛ حيث يصبح اسم موقعهم مرتبطا بالاحترافية في كل مساحة يتواجدون فيها، مما يزيد الثّقة في النّطاق بشكل غير مباشر من خلال ارتباط اسم الموقع بنقاشات عالية القيمة.
وعلى الجانب الآخر، أظهرت الردود أن "الرغبة في المشاركة" تشتعل فور توفُّر البيئة المناسبة. فالشكر، أو نقد فكرة، أو إضافة تجربة شخصية، كلها رسائل ذكية تقول: "نحن هنا، ونفهم في هذا المجال". هذا النوع من التَّفاعل هو ما يمنح الموقع "هوية" تميزه عن المواقع التي تبدو كأنها تُدار بواسطة آلات صامتة مثل التعليق الذي شاركه المحامي عبد العزيز حسين عبد العزيز والذي أتقدّم له بالشّكر الجزيل على مشاركة بصمته على الدوام.
{getCard} $type={post} $title={للنّظر من زاوية أخرى:}
تقول جوجل في الدّليل الإرشادي لتقييم جودة المحتوى وتحديدا في الجزء المتعلِّق بتقييم جودة المنتديات وصفحات الأسئلة والأجوبة، لتدريب مقيّمي الجودة ما يلي:
غالبا ما يتم التعرف على المستخدمين الذين ينشرون الإجابات/الردود أو التعليقات من خلال اسم مستخدم أو اسم مستعار فقط. يمكن أن تكون الصفحة ذات جودة عالية أو أعلى باستخدام أسماء المستخدمين أو الأسماء المستعارة فقط وفقا لمعايير أخرى. غالبا ما يمكن الحُكم على أهمية المناقشة بين المستخدمين من خلال المشاركات أو التعليقات نفسها. مزيدا من المعلومات حول معايير جودة الصفحة لأنواع محددة من الصفحات.
وفي نفس الدّليل تؤكّد جوجل على أنّ التّعليقات السّطحيَّة مؤشّر على انخفاض جودة الصّفحة. مزيدا من المعلومات حول الصّفحات عالية الجودة.
يشير هذا إلى أنّ محرّكات البحث تولي التّعليقات أهمّيّة، وهذا يعني أنّ وجود تعليق عالي الجودة سيكون مفيدا للموقع الإلكتروني بقدر فائدته للصّفحة التي يتمّ نشر التّعليق عليها.
لماذا الحضور خارج موقعك يُعدّ استراتيجية نمو؟
الموقع الإلكتروني الذي ينغلق على نفسه يفقد فرصا هائلة لبناء الوعي بالعلامة التِّجارية، تماما كما يحرص الخبراء على الحضور في المؤتمرات والندوات، يجب أن يحرص مشرف الموقع على التواجد في "أقسام التَّعليقات" داخل المواقع الرّائدة والمؤثرة في مجاله أو تلك التي ترغب في تزكيتها بخبرته.
عندما يعلّق الموقع باسمه في منصة أخرى، فهو يمارس ذكاء تسويقيا هادئا؛ هو لا يطلب من النَّاس الزيارة بشكل مباشر، بل يقدم "عينة مجانية" من خبرته تجعل القارئ يشعر بالفضول لاكتشاف هذا الكيان. {alertInfo}
بمرور الوقت، تتراكم هذه المشاركات لتشكل سجلا ذهنيّا لدى الجمهور (ومحرِّكات البحث)، فيصبح اسم موقعك مألوفا، موثوقا، ومرتبطا دائما بالقيمة المُضافة. هذا الحضور يجعل الموقع يبدو كجزء أصيل من نسيج الويب الاحترافي، لا مجرد صفحات منعزلة تنتظر من يكتشفها بالصُّدفة.
التعليقات: سلاح ذو حدين وأفضل الممارسات
ثمة حقيقة يدركها خبراء تحسين محركات البحث جيدا، وهي أنه لو لم تكن التعليقات "نقطة قوة" حقيقية في رفع جودة الصفحة وسلطة الموقع، لما فرضت محركات البحث عقوبات صارمة على المواقع التي تحتضن محتوى تعليقات غير مرغوب فيها (سبام).
العقوبة هنا ليس بالضّرورة أن تكون مرتبطة بالبرامج الضارة، بل بمجرد وجود محتوى "منخفض الجودة" أو غير ذي صلة في قسم التعليقات، مثل تعليقات تتضمّن روابط هدفها هو التّحايل على أنظمة البحث والتّرتيب. هذا يعني ببساطة أن محرك البحث يقرأ التعليق كجزء لا يتجزأ من قيمة الصفحة؛ فإما أن يرفعها أو يهوي بها.
لذا، إذا كنت مشرف موقع مبتدئا وترغب في البدء ببناء حضورك خارج حدود موقعك، فمن الضروري اتباع "أخلاقيات التعليق وسياساته بحسب كلّ موقع" لضمان قبول مشاركتك وتحقيق أقصى استفادة:
- القيمة قبل الرابط: اجعل تعليقك يضيف معلومة -حتى لو كانت بسيطة-، يصحح خطأ، أو يطرح تساؤلا ذكيا، التَّعليق الذي يكتفي بكلمات مثل "شكرا" أو "موضوع رائع" قد يُعدّ من بين الفرص ضائعة لصاحب الموقع وللمعلِّق أيضا. وليس المقصةد هنا بعدم شكر الكاتب بقدر ما هو إشارة لإضافة المزيد من السياق مثل طرح سؤال أو التأكيد على نقطة معيّنة في النّصّ أو حتّى النّقد، وبالدّرجة الأولى شخصيا تُعجبني هذه الأخيرة.
- الهوية الواضحة: استخدم اسم موقعك أو اسمك المهني المرتبط به. هذا يبني "ثقة بصرية" لدى القُراء ومحرِّكات البحث مع تكرار ظهورك في النقاشات المتخصصة.
- السياق والملاءمة: لا تضع رابط موقعك إلا إذا كان يخدِم سياق النِّقاش فعلا (ليس المقصود الارتباط المُضَمَّن في اسم المعلِّق). التَّعليق "الذّكيّ" هو الذي يُجبر القارئ على النَّقر على اسمك لمعرفة من هو صاحب هذا الرَّأي السديد.
لماذا تفكّر طويلا؟
إذا كان لديك رأي، تجربة، أو حتى ملاحظة من واقع عملك، فهذا هو المكان المناسب لترك بصمتك. التعليقات ليست مجرّد ردود، بل سجلّ صغير يعبّر عن خبرتك وحضورك في هذا المجال. {alertInfo}
تاريخ آخر تعديل: الاثنين 22 ديسمبر 2025
لقد أعجبني هذا المقال لأنه يشير إلى عدة نقاط مهمة، لكن أنا سأتوقف عند نقطة معينة، وأظن أن المشكلة تكمن هنا "لا تضع رابط موقعك إلا إذا كان يخدِم سياق النِّقاش فعلا". في السابق كنت أرى مقالات على مدونات بلوجر، بها العديد من التعليقات التي تخدم السياق فعلاً، ولكن التعليقات التى تحتوى على روابط تشير إلى مواقع أصحابها، هي التي لا تخدم السياق. لكن الآن لم أعد أرى أي تعليقات، وأظن أن سبب ذلك هو الفكر الخاطىء، حيث يظن الأشخاص أنهم دائماً موجه لهم كاميرات ترصد وجودهم على الإنترنت، ويظنون أنهم مشهورين فلا يجب أن يكتبوا تعليق في مكان ويراهم أحد متابعيهم، فيظهروا بمظهر الطالب الذي يحصل على العلم والخبرة من كاتب هذا المقال. اتمنى أن أكون وضحت وجهة نظرى.
ردحذفتعليق مثير للانتباه ويمسّ مواضيع حسّاسة إلى حدّ بعيد، وهي حقيقة، للأسف.
حذفبالنّسبة لـ"لا تضع رابط موقعك إلا إذا كان يخدِم سياق النِّقاش فعلا"، فللوهلة الأولى يبدو الأمر صارما، وقد يفهمه العديد من الزّملاء على أنّ المعلِّق يجب أن يُشارك رابط موقعه الإلكتروني أو إحدى صفحاته حتّى تكون دائما في سياق مباشر، في الجانب الآخر، أعتقد لا بأس في وضع رابط الموقع الإلكتروني حتى في "التّوقيع" الذي في العادة يكون في نهاية الرّدّ، فقط يجب عدم الإفراض في الرابط أو شرحه.
أماا في ما يتعلّق بالجزء الأخير من تعليقك أخي يوسف، قد لا أرغب في الحكم على أي شخص من خلال طريقة تفكيره، لأنّها ستنفعه أو ستضرّه هو، لكن لديّ الحرية في التّعبير عن ما لدي، على موقعي الإلكتروني، مثل مدوّنة الدّعم العربي كما أفعل الآن، أو على موقع إلكتروني آخر، حيث من حين لآخر أقوم بالتّعليق في مواقع إلكترونية أخرى، ولا يُهمّني ما إذا ظهر تباين في بعض الأحيان في ردودي بمرورالوقت.
من طبع الإنشان أن يتعلّم، ولا أحد يعلم كلّ شيء.
قال شاعر:
علمت شيئا وغابت عنك أشياء ... فانظر وحقق فما للعلم إحصاء
للعلم قسمان ما تدري وقولك لا ... أدري ومنيدّعي الإحصاء هذّاء
أرجو لك وقتا ممتعا وجميلا